تلك الأسابيع الأولى مع طفل حديث الولادة تشبه أحيانًا العيش مع «زائر صغير غامض» جاء من عالم آخر. يحدّق في نقطة بعيدة، يفزع فجأة من أقل صوت، يهدأ على نغمة معينة وينفجر بالبكاء مع أخرى. قد تجد نفسك في منتصف الليل تتساءل: ماذا يرى طفلي الآن؟ ماذا يسمع؟ هل يعرفني فعلًا؟
الجواب: نعم. عالم طفلك أصغر وأهدأ من عالمك، لكنه مليء بالمشاعر والمنبهات. حواس حديثي الولادة تنمو في كل لحظة، وأنت في قلب هذا كله.
في هذا الدليل سنتحدث عن ما يمكن لحديث الولادة أن يراه ويسمعه ويلمسَه ويشمَّه في الأسابيع الأولى، وكيف يمكنك دعم مراحل نمو الطفل وحواسه بلطف، من غير تعقيد أو ضغط أو مشاريع كبيرة. فقط سحر الحياة اليومية.
بصر الرضيع في الأيام الأولى دقيق أكثر مما نتخيل. أفضل مسافة يمكن لحديث الولادة أن يرى فيها بوضوح نسبي هي تقريبًا 20 - 30 سم. هذه هي تقريبًا المسافة بين وجهك وبين صدره عندما ترضعينه أو تحمليه بين ذراعيك.
عندما تضمين طفلك للرضاعة الطبيعية أو الصناعية، يكون وجهك تمامًا في «نقطة التركيز» الخاصة به. ترتيب مدهش ومتقن من الخالق عز وجل.
خارج هذه المسافة تقريبًا:
إذا تساءلت يومًا ماذا يرى الطفل حديث الولادة؟ فتخيّلي الأمر هكذا: طفلك يرى ملامحك الرئيسية وقسمات وجهك عن قرب، لكنه لا يرى تفاصيل المكتبة أو ديكور الصالون البعيد.
في الأسابيع الأولى، يواجه الرضيع صعوبة في تمييز الدرجات الناعمة والفروق البسيطة بين الألوان. ألوان الباستيل الهادئة التي نحبها في غرف الأطفال قد تبدو له مجرد بقع لطيفة بلا تفاصيل.
ما يراه الرضيع بشكل أفضل:
لهذا تنتشر فكرة أنماط عالية التباين للرضع، مثل البطاقات السوداء والبيضاء أو المعلقات البسيطة ذات الألوان الحادة. طفلك لا يتبع موضة، جهازه البصري فعليًا يلتقط هذه الاختلافات القوية أسرع بكثير من الألوان الناعمة.
ولا تحتاجين لشراء كميات من الألعاب الخاصة. أشياء البيت تكفي:
نحن مخلوقات اجتماعية بطبيعتنا. حتى في عمر حديث الولادة، يظهر الرضع ميلًا واضحًا إلى تفضيل الوجوه على غيرها من الأجسام.
دراسات من جامعات عربية وأوروبية أشارت إلى أن حتى الأطفال في ساعاتهم الأولى يطيلون النظر إلى شكل يشبه الوجه أكثر من أشكال عشوائية. بالنسبة لهم، رسم بسيط بنقطتين وخط قد يكون أكثر جذبًا من لوحة معقدة.
في الأسابيع الأولى:
دعم هذا الجزء من نمو الطفل بسيط جدًا:
في الأسبوع الأول أو الثاني، يبدأ بعض الأطفال بإظهار مهارة بسيطة جدًا في تتبع الأجسام بالعين.
لا يمكنهم متابعة شيء يتحرك بسرعة، لكن حركة بطيئة ولطيفة ممكنة.
يمكنك التجربة هكذا:
غالبًا ما يتتبع الرضيع في البداية:
إذا لم يتتبع طفلك في كل مرة، لا داعي للقلق. هو ما زال يتأقلم. اعتبريها دعوة لطيفة، لا اختبار يجب أن ينجح فيه.
الإحساس بالألوان يظهر تدريجيًا. عند الولادة، يرى الطفل العالم في الغالب بدرجات من الرمادي والأسود والأبيض، مع بداية بسيطة جدًا للإحساس ببعض الألوان.
ما نعرفه عن تطور البصر عند الرضع من ناحية الألوان:
إذا أردت أن تعرضي لطفلك الألوان في هذه الفترة المبكرة:
لا حاجة للاستعجال في «تعليم الألوان». الموضوع يحدث وحده مع الوقت. دورك فقط أن يعيش طفلك في بيئة ليست كلها ألوان باهتة تكاد لا تُرى.
على عكس البصر، سمع الرضيع عند الولادة يكون متقدمًا نسبيًا. الطفل سمع أصوات العالم من داخل الرحم لأشهر: نبض قلبك، حركة أمعائك، صوتك، وصوت من حولك ولكن بنغمة مكتومة.
من أول يوم تقريبًا، يستطيع أغلب حديثي الولادة:
بينما لا يزال البصر في طور الاكتمال، الأذن أداة أساسية لمساعدة طفلك على فهم هذا العالم الجديد.
نعم، وبقوة. إذا خطر ببالك سؤال: هل يميز الرضيع صوت الأم؟ فالإجابة غالبًا: بالتأكيد.
طوال الحمل، كنتِ تتحدثين وتضحكين وتصنِتين وتعيشين حياتك، وصوتك يمر عبر السائل الأمنيوسي وجسدك إلى أذن طفلك. عند الولادة يكون صوتك بالنسبة له مثل «الموسيقى المألوفة» التي اعتاد عليها.
في الأسابيع الأولى:
استفيدي من هذا الأمر:
قد يبدو الأمر غريبًا في البداية، لكن صوتك واحد من أهم أدوات تطور السمع عند الرضع ونمو اللغة لاحقًا.
قد تلاحظين أن طفلك فجأة يمد ذراعيه، يفتح كفيه، ثم يضم كل شيء إلى صدره أحيانًا مع بكاء. هذه حركة طبيعية اسمها منعكس مورو أو منعكس الفزع.
الأصوات العالية أو المفاجئة كثيرًا ما تثير هذا المنعكس:
هذا المنعكس:
كيف تساعدين طفلك:
ستلاحظين غالبًا أنك تتحدثين مع طفلك بنبرة أعلى قليلًا وبطريقة غنائية. وربما تسمعين الآخرين يتحدثون معه بـ«لغة الأطفال» وتستغربين لماذا نفعل ذلك تلقائيًا.
السبب أن الرضع فعلًا يفضلون الأصوات الحادة نسبيًا. أبحاث من جامعات في المنطقة العربية وأوروبا أظهرت أن حديثي الولادة ينتبهون أكثر إلى كلام:
هذا الأسلوب في الحديث، الذي يسمى أحيانًا «لغة الوالدين مع الرضع»، يساعد الطفل على:
لذلك لا تشعري بالحرج إذا وجدت نفسك تقولين: «يا عيوني الصغيرة الجميلة» بصوت غنائي لطيف. هذا الأسلوب ليس فقط لطيفًا، بل يدعم تطور السمع عند الرضع وبدايات التواصل لديهم.
الرحم لم يكن مكانًا صامتًا. كان مليئًا بأصوات: تدفق الدم، أصوات الأمعاء، نبض قلبك المنتظم، وضجيج العالم الخارجي بشكل مكتوم.
لهذا يهدأ كثير من حديثي الولادة مع أصوات تشبه ذلك العالم:
هذه الأصوات:
إذا استخدمتِ الضوضاء البيضاء:
من بين الحواس كلها، اللمس هو الأكثر اكتمالًا عند حديث الولادة.
ربما لا يراك طفلك بوضوح كامل، لكنه «يعرفك» من خلال جسدك: دفء جلدك، ضغط يدك على ظهره، طريقة حملك له، وكيف يلتف جسده الصغير في حضنك.
غالبًا تسمعين من الأطباء أو الممرضات نصيحة «وضع الجلد على الجلد» أو «Skin to Skin». الإكثار من هذا التلامس ليس رفاهية، بل له فوائد واضحة.
بالنسبة لحديث الولادة، التلامس «جلد لجلد»:
أفكار عملية:
بالنسبة لكثير من الأهالي، هذه اللحظات تكون من أهدأ وأكثر الأوقات طمأنينة في الأسابيع الأولى.
حاسة الشم عند حديثي الولادة مدهشة في قوتها. قبل أن يستطيع طفلك التركيز على ملامح وجهك، يكون قادرًا بالفعل على تمييز رائحتك.
هذه الحاسة تساعده في:
قد تلاحظين أن:
طبعًا لا يعني هذا التوقف عن الاستحمام أو العطور، فقط تذكري أن الأنف الصغير أكثر حساسية. العطور القوية جدًا، الكريمات المعطرة بكثافة، أو المعطرات المنزلية قد تكون مزعجة له بدل أن تهدئه.
لا تحتاجين إلى تطبيقات خاصة أو حقائب ألعاب ضخمة أو حضور دروس معقدة لكي تدعمي مراحل نمو الطفل أو تطور البصر عند الرضع وتطور السمع عند الرضع. وجوده معك في البيت، وسط الروتين اليومي، يكفي في أغلب الأحيان.
إليك أفكارًا بسيطة ولطيفة يمكن إدخالها في يومك بسهولة.
استغلي مسافة رؤية الرضيع (20 - 30 سم) قدر الإمكان.
حتى دقائق قليلة من النظر المتبادل في كل رضعة تساعد على:
لتشجيع بصر الرضيع بطريقة لطيفة:
فكرة سريعة: يمكنك طباعة أو شراء صورة بالأبيض والأسود، وتعليقها في المكان الذي يحدّق فيه طفلك عادة بلا هدف واضح. قد تلاحظين أنه يعود إليها مرارًا كما لو أنه «يدرسها» قليلاً كل مرة.
صوتك هو المحرك الأساسي لـ سمع الرضيع وتطوره اللغوي لاحقًا.
طرق بسيطة لدمج صوتك خلال اليوم:
لا يهم إن كنت لا تجيدين الغناء، بالنسبة لطفلك صوتك المألوف، بنشازه وارتفاعه وانخفاضه، أجمل من أجمل المطربين.
لتقوية حاسة اللمس والشعور بالأمان:
حتى الجلسات القصيرة تصنع فرقًا. ليست فكرة «إما ساعات طويلة أو لا شيء».
لمساعدة طفلك على التأقلم مع العالم خارج الرحم:
هذه الأصوات ترسل لطفلك رسالة واضحة: «أنت بأمان، أنت بين أيدٍ تحبك».
في فترة الإرهاق وقلة النوم، من السهل أن تشعري بأنك لا تقومين بما يكفي من أجل نمو الطفل، وأن عليكِ تقديم المزيد من الأنشطة والألعاب والدورات.
الحقيقة أن الأسابيع الأولى تدور حول لحظات بسيطة متكررة:
بهذه التفاصيل الصغيرة يتكوّن لدى طفلك إحساس آمن بالعالم، وتتشابك حواس بصر الرضيع وسمع الرضيع واللمس والشم في شبكة من الذكريات الأولى المطمئنة.
في المرة القادمة التي تكونين فيها مستيقظة في الثالثة فجرًا وطفلك يحدّق قرب ذقنك، تذكري أنه لا يحدّق في الفراغ. هو يدرس بهدوء الشخص الذي يمثّل حرفيًا عالمه كله.
وأنتِ، دون أن تشعري، تفعلين من أجل حواسه ومراحل نمو الطفل أكثر بكثير مما تتخيلين.