إذا كنتِ ترضعين طبيعيًا وحائرة في «ماذا تأكل المرضعة أثناء الرضاعة» وما هو المسموح والممنوع، فأنتِ بالتأكيد لست وحدك. بين نصائح الجدات، وكلام الصديقات، والمنشورات المتداولة في فيسبوك وإنستغرام، قد تشعرين أن كل لقمة في طبقك تشكل خطرًا على رضيعك.
الحقيقة التي تضيع وسط كل هذا الضجيج: معظم الأمهات لا يحتجن إلى نظام غذائي صارم أثناء الرضاعة الطبيعية.
جسمك ذكي، ويعرف كيف يصنع حليبًا مناسبًا لطفلك من أنواع كثيرة من الطعام. لستِ مضطرة لإيقاف الحليب ومشتقاته لمجرد الاحتياط، أو العيش على دجاج مسلوق بلا ملح لشهور، أو الخوف في كل مرة تشتهين طبقًا حارًا أو «كبسة» أو «مقلوبة».
هذا المقال يشرح لك تغذية المرضعة بشكل مبسط: ماذا تأكلين أثناء الرضاعة الطبيعية، وما الذي يستحق فعلًا أن تقللي منه، وأي خرافات يمكن تجاهلها براحة ضمير. معلومات مبنية على الأدلة العلمية، وبنظرة واقعية لحياة الأم العربية مع طفل لا يهمه إن كنتِ تناولتِ الغداء أم لا.
غالبًا سمعتِ واحدًا على الأقل من التالي:
معظم هذا الكلام خرافات أو مبالغات.
تركيبة حليب الأم أكثر ثباتًا مما يعتقد الناس. توصيات من منظمة الصحة العالمية ومراكز تغذية عربية تشير إلى أن غذاء الأم يؤثر في بعض مكونات الحليب فقط، وغالبًا بشكل محدود وليس دراميًا.
جسمك يعطي أولوية لتغذية طفلك، فيسحب العناصر الغذائية من مخزونك إذا لزم الأمر، ويستمر في إنتاج حليب مناسب. هذا لا يعني أن نظامك الغذائي غير مهم - هو مهم لصحتك، وطاقة جسمك، وحالتك النفسية - لكنه نادرًا ما يتطلب حرمانًا شديدًا أو قائمة طويلة من الممنوعات.
في أغلب الحالات، لا.
هل يجب تجنب الحليب أثناء الرضاعة؟
الحليب ومشتقاته مسموحة للأم المرضعة في العادة، إلا إذا كان لدى طفلك أعراض واضحة تشير إلى حساسية بروتين حليب البقر (وسنشرحها لاحقًا). اللبن، الجبن، الحليب في الشاي أو القهوة، كلها مقبولة لمعظم الأمهات.
أكل التوابل أثناء الرضاعة
في كثير من البلدان العربية، الأم المرضعة تأكل الطعام المتبّل والحار يوميًا، وأطفالها ينمون بشكل طبيعي ويرضعون براحة. بعض الدراسات أظهرت أن نكهات مثل الثوم والتوابل قد تنتقل بكميات بسيطة إلى حليب الأم، وربما تساعد الطفل لاحقًا على تقبّل أكل البيت عند إدخال الطعام الصلب. الأمهات في الهند والمغرب واليمن مثلًا لا يعشن على الخبز الأبيض والماء سنة كاملة، ولا أنتِ بحاجة لذلك.
هل الثوم يؤثر على الرضاعة؟
الثوم يمكن أن يغيّر قليلًا طعم ورائحة الحليب، لكن أبحاثًا في أوروبا وجدت أن بعض الأطفال يرضعون مدة أطول بعد أن تأكل الأم الثوم. أي عكس ما يقال عن أنهم سيرفضون الثدي.
الملفوف، القرنبيط، الفول، العدس والأطعمة التي يقال إنها تسبب مغصًا للرضيع
الغازات التي تصيبنا نحن الكبار تنتج في الأمعاء، ولا تنتقل كما هي إلى حليب الأم. قد يكون بعض الأطفال حساسين لبروتينات أو سكريات معيّنة، لكن في الأغلب، عصبية الطفل أو بكاؤه بعد أن تأكلي بروكلي أو فول ليس سببه الغازات من طعامك بشكل مباشر.
لا تحتاجين إلى إلغاء نوع من الطعام إلا إذا لاحظتِ نمطًا واضحًا ومتكررًا أن طفلك يتأثر به، وحتى حينها، غالبًا يكون المنع مؤقتًا وبدون مبالغة.
بدل أن تفكري في «نظام غذائي للمرضعة» على أنه قائمة ممنوعات طويلة، فكري فيه على أنه أكل صحي عادي مع قليل من المرونة بسبب الجوع والتعب وقلة النوم.
حاولي قدر المستطاع:
الإكثار من الأطعمة النباتية
فواكه، خضروات، بقول مثل الفول والحمص والعدس، حبوب كاملة مثل الشوفان والبرغل والخبز الأسمر. المجمدة أو المعلبة في ماء مقبولة أيضًا، المهم أن تكون خيارات عملية تناسب يومك المزدحم.
مصادر بروتين جيدة
البيض، الدجاج، السمك، اللحوم الحمراء الخالية من الدهون قدر الإمكان، الزبادي (اللبن) والجبن، التوفو، الفول، العدس، الحمص، المكسرات، والبذور.
دهون صحية
زيت الزيتون، زيت الذرة أو دوار الشمس باعتدال، الأفوكادو، المكسرات، البذور، والأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين.
كربوهيدرات تمدك بالطاقة
خبز أسمر أو بر، شوفان، أرز بني، معكرونة، بطاطس، بطاطا حلوة. الأرز الأبيض والخبز الأبيض ليسا ممنوعين، لكن يفضّل التوازن مع الحبوب الكاملة.
مع وجود طفل رضيع، الكمال غير واقعي. سندويتش جبن مع حبة فاكهة تؤكل بسرعة وأنتِ ترضعين، ما زال يُعتبر وجبة مقبولة. تغذية المرضعة لا يجب أن تبدو مثالية أو «إنستغرامية».
جسمك يستهلك طاقة لإنتاج الحليب. في المتوسط، الرضاعة الطبيعية تستهلك حوالي 400 إلى 500 سعرة حرارية إضافية في اليوم خلال الأشهر الستة الأولى، بحسب تقديرات هيئات تغذية أوروبية وعربية.
لا يعني هذا أنه يجب عليك عدّ السعرات بدقة، وإنما:
مؤشر تقريبي:
إذا كان وزنك قبل الحمل أعلى، قد يستخدم جسمك جزءًا من مخزون الدهون لإنتاج الحليب، فلا تحتاجين دائمًا لكل الـ 500 سعرة يوميًا. الأهم أن تأكلي حسب حاجتك، دون تعمد الجوع أو الحرمان الشديد.
لا تحتاجين لشرب كميات «هائلة» من الماء، ولا لإجبار نفسك على الشرب حتى يصبح لون البول شفافًا تمامًا. هذه نصائح قديمة.
إرشاد عام:
حوالي 2 إلى 2.5 لتر من السوائل يوميًا يناسب كثيرًا من الأمهات المرضعات في مناخنا، مع التعديل حسب حرارة الجو ونشاطك. يشمل هذا الماء، والحليب، والشاي والقهوة ضمن الحدود المسموحة، والعصائر الطبيعية، والسوائل في الطعام مثل الشوربة.
الأهم من العدّ:
الماء أفضل اختيار، لكن يمكنك أيضًا شرب:
جفاف الفم، أو الصداع، أو الدوار قد تكون إشارات إلى حاجتك للمزيد من السوائل.
جسمك يعمل بجهد كبير لإنتاج الحليب والتعافي من الولادة. تغذية المرضعة الجيدة تهتم ببعض العناصر بشكل خاص.
الحمل والولادة يمكن أن يخفضا مخزون الحديد، والتعب الناتج عن نقص الحديد يشبه كثيرًا تعب الأم الجديدة، لكن مع إرهاق مضاعف.
مصادر جيدة للحديد:
مع المصادر النباتية، حاولي تناول فيتامين «ج» معها (مثل الليمون، الفلفل الرومي، البرتقال، الفراولة) لتحسين الامتصاص. إذا عانيتِ من نزيف كبير وقت الولادة، أو كنتِ مصابة بأنيميا في الحمل، قد ينصحك الطبيب بمكمل حديد.
الكالسيوم ضروري للعظام والأسنان، وإذا لم تحصلي على كمية كافية، سيأخذ الجسم حاجته من مخزون عظامك.
الاحتياج اليومي في المتوسط حوالي 1000 ملغ في اليوم من:
أحماض أوميغا 3 الدهنية، خاصة نوع DHA، مهمة لنمو مخ طفلك وعينيه، وقد تساعد في دعم مزاجك وصحتك النفسية.
مصادر جيدة:
في كثير من الدول العربية ينصح بتناول:
إذا كنتِ لا تأكلين السمك، يمكن التفكير في مكمل أوميغا 3 من الطحالب، وهو مناسب للنباتيات.
فيتامين «د» يؤثر في صحة العظام، والجهاز المناعي، وحالتك النفسية. في كثير من البلدان العربية، رغم وفرة الشمس، إلا أن نقص فيتامين «د» شائع بسبب البقاء داخل البيت أغلب اليوم أو تغطية معظم الجسم بالملابس.
التوصيات المنتشرة في المنطقة عادة تشير إلى:
اسألي طبيبك أو استشيري المركز الصحي في منطقتك إذا كنتِ غير متأكدة من حاجتك لجرعة إضافية.
اليود مهم لعمل الغدة الدرقية ولتطور دماغ طفلك. نقصه منتشر في بعض الدول، وغالبًا لا ننتبه له.
مصادر اليود:
إذا كنتِ لا تتناولين منتجات الألبان ولا السمك، من الأفضل استشارة طبيب أو أخصائي تغذية بخصوص مكمل يود مناسب للمرضع.
إلى الآن تحدثنا عن المسموح، وهو كثير. هناك بعض الأمور التي تستحق الانتباه.
لا حاجة لترك القهوة تمامًا. خبر مفرح لكثير من الأمهات.
الكافيين ينتقل إلى حليب الأم بكميات صغيرة. منظمات صحية عديدة توصي بألا تتجاوز الأم المرضعة تقريبًا 200 إلى 300 ملغ من الكافيين في اليوم.
تقريبًا يساوي هذا:
تذكري:
إذا لاحظتِ أن طفلك عصبي جدًا، أو مستيقظ لفترات طويلة، أو نومه متقطع بشكل مزعج، وأنتِ تشربين كميات كبيرة من القهوة أو الشاي، جرّبي تخفيف الكمية لبضعة أيام ومراقبة الفرق.
في ثقافتنا، كثير من الأمهات لا يشربن الكحول أصلًا، لكن لبعض العائلات عادات مختلفة. المهم أن تعرفي الآتي إذا كان هذا الأمر يعنيك:
المنظمات الصحية العالمية تشجع على تجنب الكحول تمامًا أثناء الرضاعة، أو جعله في أقل حد ممكن وعلى فترات متباعدة، مع التخطيط الجيد لمواعيد الرضعات.
إذا اخترتِ الشرب:
إذا امتلأ صدرك بالحليب وأنتِ في فترة انتظار خروج الكحول من جسمك، يمكنك سحب الحليب والتخلص منه فقط لتخفيف الامتلاء والألم، لكن هذا لا يخفف نسبة الكحول في جسمك نفسه.
إذا كان موضوع الكحول حساسًا بالنسبة لك، أو تشعرين بصعوبة في التقليل، من المهم التحدث مع طبيب أو أخصائي بسرية تامة.
هنا يظهر اختلاف الأفراد.
بعض الأطفال يبدو أنهم يتأثرون بأطعمة معينة في نظام الأم الغذائي. أكثر ما يتحسس منه البعض:
لكن المهم أن نعرف أن هذا لا ينطبق على كل الأطفال، بل على قلة منهم. لكل أم تحكي أن طفلها بكى طوال الليل بعد أن أكلت بصلًا، هناك أم أخرى أكلت «كبسة حارة» ونام طفلها مرتاحًا!
طريقة عملية للتعامل:
إذا اختفت الأعراض مع إيقاف الطعام ثم عادت بشكل واضح بعد تناوله مجددًا، فغالبًا هذا الطعام يزعج طفلك مؤقتًا. في معظم الحالات تتحسّن الأمور مع نمو أمعاء الطفل.
إذا بدأتِ في منع أكثر من نوع رئيسي من الطعام (مثل الحليب ومنتجاته، ثم الصويا، ثم القمح)، من الأفضل أن تراجعي طبيبًا أو أخصائي تغذية حتى لا تتأثر تغذيتك أنتِ.
معظم الأطفال لا يتأثرون بشكل كبير بما تأكله الأم، غير بعض الاختلافات الطبيعية في الغازات أو المزاج. لكن هناك نسبة قليلة تعاني من حساسية أو عدم تحمّل حقيقي.
أكثر ما يقلق الأمهات هو حساسية بروتين حليب البقر (CMPA).
بروتين حليب البقر الذي تتناولينه قد ينتقل بكميات ضئيلة إلى حليبك. للأطفال الذين لديهم حساسية تجاهه، حتى هذه الكمية القليلة قد تسبب أعراضًا.
علامات ممكنة على وجود مشكلة:
هذا مختلف تمامًا عن مغص بسيط أو عصبية لا تفسير واضح لها.
إذا لاحظتِ دمًا في براز الطفل أو إكزيما قوية:
في هذه الحالة، وتحت إشراف طبي، قد يُطلب منك:
يمكن أن توجد حساسية تجاه الصويا أو البيض أو المكسرات أيضًا، وتنتقل آثارها عبر الحليب في حالات نادرة، لكن شيوعها أقل. لا تُشخّصي طفلك على أنه «حساس لكل شيء» ولا تلغي عدة مجموعات من الأطعمة دون متابعة طبية، حتى لا تتضرر صحتك.
في العديد من التوصيات العالمية والإقليمية:
حتى لو كنتِ أنتِ تتناولين فيتامين «د»، غالبًا لا تصل طفلك الكمية الكافية عبر الحليب ما لم تكوني على جرعات عالية بوصفة طبية، لذلك نقاط فيتامين «د» للطفل مهمّة.
إذا كنتِ تأكلين السمك الدهني مرة أو مرتين أسبوعيًا، فغالبًا احتياجك من أوميغا 3 معقول. إذا كنتِ لا تحبين السمك، أو نباتية، فهنا قد يكون لمكمل أوميغا 3 فائدة.
ابحثي عن:
مكملات أخرى:
إذا احترتِ في المكمل المناسب لك، استشيري طبيبك أو أخصائي تغذية، وتجنبي شراء مكملات مجهولة المصدر أو عالية الجرعة من الإنترنت تدّعي أنها «تزيد الحليب بشكل سحري».
الأمومة اليوم تأتي مع ضغوط هائلة: أرضعي بطريقة معينة، عودي لوزنك بسرعة، كلي هذا ولا تأكلي ذاك. كل هذا مرهق.
رسالة مختلفة:
لذلك:
وإذا مرّ يوم كان جل ما تناولته فيه هو الشاي والخبز والبسكويت، فأنتِ ما زلت أمًا جيدة. تعاملي مع نفسك بلطف، كما تتعاملين مع رضيعك، وجسمك سيكمل الباقي. الرضاعة الطبيعية رحلة، وتغذية المرضعة جزء منها، وليست اختبارًا للكمال.